ابن أبي الحديد
59
شرح نهج البلاغة
كما حمل المهد الصبي وقبلها * ذعرت أسود الغيل بالنزوان ( 1 ) ولي بعدها أخرى تسمى جنازة ( 2 ) * جنيبة يوم للمنية دان تسير على أقدام أربعة إلى * ديار البلى معدودهن ثمان وإني على عيث الردى في جوارحي * وما كف من خطوي وبطش بناني وإن لم يدع إلا فؤادا مروعا * به غير باق من الحدثان ( 3 ) تلوم تحت الحجب ينفث حكمه * إلى أذن تصغي لنطق لسان ( 4 ) لأعلم أني ميت عاق دفنه * ذماء قليل في غد هو فان وإن فما للأرض غرثان حائما * يراصد من أكلي حضور أوان به شرة عم الورى بفجائع * تركن فلانا ثاكلا لفلان غدا فاغرا يشكو الطوى وهو راتع * فما تلتقي يوما له الشفتان إذا عاضنا بالنسل ممن نعوله * تلا أولا منه بمهلك ثان إلى ذات يوم لا ترى الأرض وارثا * سوى الله من أنس تراه وجان قوله : " تفرد بي دون هموم الناس هم نفسي " أي دون الهموم التي قد كانت تعتريني لأجل أحوال الناس . فصدقني رأيي ، يقال : صدقته كذا أي عن كذا ، وفي المثل : " صدقني سن بكره " لأنه لما نفر قال له : هدع ( 5 ) ، وهي كلمة تسكن بها صغار الإبل إذا نفرت ، والمعنى أن هذا الهم صدقني عن الصفة التي يجب أن يكون رأيي عليها وتلك الصفة هي ألا يفكر في
--> ( 1 ) الغيل : الشجر الكثيف الملتف . ( 2 ) الجنازة بالكسر : ما يحمل عليه الميت . ( 3 ) الحدثان : غير الدهر ونوائبه . ( 4 ) تلوم : أي انتظر . ( 5 ) في اللسان : " هدع هدع ، بكسر الهاء وفتح الدال وتسكين العين : كلمة يسكن بها صغار الإبل . عند النفار ، ولا يقال ذلك لجلتها ولا مسانها ، وزعموا أن رجلا أتى السوق ببكر له يبيعه ، فساومه رجل . فقال : بكم البكر ؟ فقال : إنه جمل ، فقال : هو بكر ، فبينما هو يماريه إذ نفر البكر ، فقال صاحبه : هدع هدع ، ليسكن نفاره ، فقال المشتري : صدقني سن بكره ، . إنما يقال : هدع للبكر ليسكن " .